الخميس، 23 فبراير 2012

سر انتشار الإسلام فى مصر

- محمد الغزالي
الرد على افتراءات الصليبي جاك تاجز  

دخل الإسلام مصر بعدما تمكنت قواته من طرد الرومان المحتلين، وتعقب فلولهم المدحورة حتى اضطرتهم إلى الجلاء عن البلاد كلها.
وقد أحس المصريون على عجل بأنهم ليسوا أمام فاتح تغريه نشوة النصر بالبغى والاستعلاء.
بل أمام رجال تحكمهم أخلاق فاضلة، وتضبط سلوكهم شريعة واضحة، وأن البون بعيد بين كبرياء الرومان وبساطة المسلمين.
ومع كثرة مؤرخى النصرانية الحاقدين على الإسلام، فإن أحدا منهم لم يجرؤ على اتهام العرب بأنهم أكرهوا قبطيا على ترك دينه، أو حرضوا على دخول الإسلام بأساليب تجافى المنطق الحكيم.
ومع ذلك فإنه لم يمض نصف قرن على دخول الإسلام فى مصر حتى تحول إليه أكثر النصارى، كما يتحول الناخبون فى البلاد الحرة من حزب إلى حزب، وكما يؤثرون منهاجا على منهاج.
وما هى إلا أيام حتى أصبحت النصرانية دين قلة محدودة تعتمد فى بقاء موروثاتها وطقوسها..
على سماحة الإسلام وأهله فحسب.



والحق أن هناك ألوفا مؤلفة من النصارى تستبطن الريبة فى عقيدتى الثالوث والفداء، أو تستشعر التبرم الخفى بهما.
وتود لو تخلصت منهما كما يتخلص الحمال المثقل من عبء أبهظ كواهله.
فإذا واتت فرص مناسبة للدخول فى عقيدة أخرى دون غضاضة تلحق النفس من الانخلاع عن عقيدتها الأولى، كان ذلك إيذانا بتحول واسع النطاق.
وذاك سر انتشار الإسلام لا فى مصر وحدها، بل فى الرقعة الفسيحة التى أبعد عنها سلطان الضغط والقسر...
إن جماهير الأقباط ـ الذين أسلموا عن رغبة ـ لم يتركوا نصرانيتهم الأولى إلا بعد اقتراب نفسى وعقلى من تعاليم الدين الجديد.
وقد كان الحكام المسلمون فى العصر الأول يرقبون هذا التطور فى صفوف الشعب وهم فى موقف الحياد الدقيق.
بل ربما كان مسلك بعضهم أقرب إلى الصد عن الإسلام من تحبيب الناس فيه وإغرائهم باعتناقه.
ولا ريب أن فى الأقباط رجالا كرهوا هذا الأمر، وراعهم الانتقاض المفاجىء على الكنيسة.
وربما اعتبروا إقبال إخوانهم على الإسلام خيانة لتراث النصرانية، وموالاة للدولة المقبلة، وربما أهاج ذلك ضغائنهم على الدين الجديد، فأضمروا لأهله الشر.
بيد أن ذلك كله لم يجعل الحكومة فى يد الإسلام سوط عذاب على المخالفين.
فبقيت الديانات الأخرى لمن رضى بها لا تلقى من أحد عنتا، ولا يجد أهلها فى الاستمساك بها حرجا.
وقد أثبت التاريخ حقيقة رائعة، أن المسيحية أو اليهودية تستطيع أن تعيش فى ظل الإسلام ـ إذا حكم ـ معيشة طيبة.
لكن كلتا الديانتين إذا حكمت لا تسمح للإسلام أن يعيش فى ظلها.
وتلك علة بقاء الأقليات الدينية فى الشرق الإسلامى، وفناؤها فى أوروبا المسيحية.

ولو قارنا بين الفتح الإسلامي للبلاد المسيحية، والفتح المسيحى للبلاد الإسلامية لاسودت وجوه الأدعياء المفترين.
وسنفرد بابا خاصا بإفناء المسلمين فى أسبانيا، والمراسيم والقوانين التى أصدرها البابا والملوك النصارى لتنظيم هذا الإفناء الذريع.
إن المسلمين لا تتحرك فى ضمائرهم نوايا الغدر والفتك بمن يخالفونهم فى الدين.
وقد مضت قرون طوال على انفراد الإسلام بالسلطة المطلقة فى العالم أجمع.
لو شاء المسلمون خلالها أن يبيدوا خصومهم لفعلوا.
لكن الذى حدث أن المسلمين كفلوا حياة خصومهم، ودافعوا عنها كما يدافعون عن دمائهم وأموالهم.
فلما انتقل زمام القوة من أيديهم تحين اليهود والنصارى كل فرصة للإيقاع بهم، فاستؤصل المسلمون من بقاع شتى.
ورأينا اليهود الذين سمح المسلمون ببقائهم فى فلسطين يتحولون إلى دولة لا تعيش إلا على أنقاض المسلمين.
ورأينا الحبشة ـ التى سمح حكامها المسلمون ببقاء الأقباط فيها ـ تتحول إلى دولة صليبية هدفها إفناء الإسلام وأهله .
ونصارى الحبشة هم القلة الحاكمة، ومسلموها هم الكثرة المحكومة.
كأن أسلافنا احترموا حق الحياة لأولئك جميعا كيما يرتدوا على ذراريهم يسلبونهم حق الحياة، ويستنكرون عليهم أن يبقوا بإسلامهم أو يبقى بهم إسلام!.
أريد حياته ويريد قتلى.!
عذيرك من خليلك من مراد

ثم جاء أخيرا هذا الكاتب الناقم على الإسلام فرأى أن يعلن عليه حربا أخرى تقوم على سلسلة من الأكاذيب الضخمة.
وهداه حقده إلى الاتجاه إلى أقباط مصر، ينبئهم بما لا يعلمون هم ولا آباؤهم، ويلقى فى روعهم أنهم عاشوا فى البلاد غرضا لحملات متتابعة من التعصب المقيت "كذا"..
تعصب من؟ تعصب المسلمين ضد النصارى!! وعمى الكاتب الكاثوليكى عن تاريخ كنيسته المفضوح فى ماضى الحياة وحاضرها، ونسى أنه هو نفسه موظف مسيحى يأخذ مرتبا سخيا من حكومة مسلمة، ويجلس على كرسيه الوثير ليصدر الأوامر إلى جملة من الموظفين المسلمين تحت يده..!!
لقد عمى عن هذا، ونسى ذلك، وجحد النعمة الدافقة التى يعيش فيها هو وألوف من أمثاله فى بلاد الإسلام..
ثم أمسك بقلمه يكتب أن الإسلام دين تعصب، وأن حكامه وشعوبه قوم متعصبون ضد الأديان الأخرى!!.
والدليل على ذلك أنه منح فى بلاد الإسلام ما يعز عليه مناله فى بلاد النصرانية نفسها.

من الأمراض التى تلحق النفس الإنسانية ما يسميه العلماء بـ" الإسقاط ".
فقد تكمن فى طوايا المرء رذيلة معينة أو شهوة جامحة، تلون الحياة أمام ناظريه بصورة لا تمت إلى الواقع بصلة، لأنها فيض من نفس الناظر الذى تخيل فخال!.
وقد روى الأستاذ " القوصى " فى كتابه " الصحة النفسية " قصة فتاة عانس طال عليها الحرمان، وأدبرت عنها الحياة.
ولكن تشبثها العاطفى بصحبة رجل ورغبتها الشديدة فى أن تسمع ألفاظ التدليل والإعزاز أخرجاها عن طورها.
فكتبت يوما إلى النيابة العامة تتهم رجلا شريفا بأنه أساء الأدب معها وتجرأ على مغازلتها !.
وجىء بالرجل الذى اندهش لتهمة لم تخطر بباله! وحقق مع العانس.
فتبين أن أشواقها الكامنة خيلت إليها ما لم يكن، فاتهمت الرجل بما تود لو وقع منه! لأنه حاجة نفسها المكبوتة!!.
وإنك لتجد كثيرا من الناس يعيبون غيرهم برذائل هى فيهم وليست فى غيرهم لا تدرى: أيحسبون غيرهم مثلهم؟ أم أن نفوسهم قد رشحت بما اكتظت به؟ فهى تسقط رشحها هذا على الآخرين !.
إن الكاتب الصليبى الذى سود صحائفه بأشنع التهم ضد الإسلام كان لاشك يعاني حالة مرضية من هذا النوع الشاذ.
فالتعصب الكنسى الذى يجر وراءه مخازى قرون طوال أوهمه أن الحياة كلها لا تدور إلا على محور من التعصب الأعمى.
فإذا بالمؤلف يفعل فعلة الفتاة العانس السابقة، فيطلب محاكمة الإسلام بتهم هو منها براء.
لأنها فيه وفى قومه داء عياء...
وحدث عن رجل يريد أن يشوه حقائق دين وتاريخ أمة!
ماذا يصنع فى أربعة عشر قرنا كانت الأقليات الدينية فيها مروعة فى كل مكان إلا فى أرض الإسلام؟.
إنه يكذب ويكذب ويكذب، لعله يستطيع أن ينفث من دخان قلبه المحترق ما يعكر به الأفق النقى الذى امتازت به بلادنا .
على حين كانت "أوروبا " ترغى وتزبد، وتضطرم أجواؤها بنيران العداوة والبغضاء بين مذاهب النصرانية المتناحرة، أو بين النصارى واليهود التائهين فى كل مكان...
إن هذا الكاتب مارونى كاثوليكى، وقد جاء يستجيش أحقاد القلة من أقباط مصر على الكثرة الغامرة من سكانها، مدعيا أن المسلمين أساءوا إلى الأقباط! وأن تاريخ العلاقات بين الفريقين يشهد بذلك!.
كأن الكاثوليك حراس العدالة فى الأرض.
أو كأنهم ليسوا آخر من يتكلم فى هذا الموضوع !!.
إن الكاثوليك حكموا الأقباط قبل المسلمين فأذاقوهم ألوان العذاب.
ولو أن أولئك الكاثوليك أخذوا الأقباط معهم إلى فرنسا مثلا، أفيكون حظهم أفضل من حظ البروتستانت الذين تعرضوا لمذابح شنعاء؟! وحفظ التاريخ أخس ضروب الغدر لما أوقعه بهم أولئك الكاثوليك الأشراف، ولكن " إذا لم تستح فاصنع ما شئت ".
الشيخ محمد الغزالي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق