الخميس، 23 فبراير 2012

إننا نؤكد أن الدولة فى يد الأقباط أداة للقضاء على الإسلام.- محمد الغزالى

- محمد الغزالي
والواقع أن الإنكليز لما دخلوا مصر وجدوا الحالة نفسها التى وجدها الفرنسيون قبلا.
استقبلهم المسلمون بسخط المقهور وذلة المغلوب على أمره.
وهرع غيرهم لاستقبالهم بنوع من الإيناس والليونة.
وبش الإنكليز فى وجوه من بشوا لهم.
ولكنهم لم ينسوا أنهم يريدون استغلال خيرات مصر لحسابهم الخاص، وأنهم فى هذه الحدود يقبلون العون ويرحبون بالخيانة.
ولا عليهم أن يضعوا أيديهم فى أيدى الخونة من المسلمين أو من النصارى.
وقد كان الأقباط فى ظل الدولة الإسلامية المضطربة، والحكم الفردى العابث يحتازون الخير الكثير لأنفسهم أفرادا وطائفة.
وقد رفض "نابليون " هذا الوضع ـ كما بينا آنفا ـ ورفض الإنكليز أيضا هذا الوضع.
واعترف الكاتب الصليبى بهذه الحقيقة رغم أنفه، فقال ص 247: " ليس الاحتلال البريطانى هو الذى ألغى احتكار الأقباط للأعمال الحسابية، فإن إدخال الطرق الحديثة فى العمل هو الذى أدى إلى إلغاء هذا الاحتكار.



وقد شكا "هاملون " بحق من أن كل نظام كفيل بتسهيل العمل الإدارى كان يرفضه الأقباط إذ كانوا يعيشون فى الفوضى ومن الفوضى ".
لكن...
هل أقصى أولئك الذين يعيشون فى الفوضى ومن الفوضى عن وظائف الدولة مما أنطق ألسنتهم بالشكاية وطلب المساواة؟.
كلا كلا..
وما كان الإنكليز ليفعلوا ذلك.
فإن نسبة الأقباط ـ حتى انعقاد مؤتمر " أسيوط " وما تلاه ـ كانت ترجح على المسلمين بشكل مروع.
غير أن هذه النسبة مهما علت لن تشبع مطامع قوم يريدون إقصاء الإسلام بشكل حاسم عن كافة مظاهر الحكم.
وقد صرح الأستاذ " توفيق حبيب " بهذه النية، إذ قال فى حديثه عن مؤتمر "أسيوط" القبطى : لا...
لقد أباح رجال الاحتلال للمسلمين بل أعدوهم لدخول جميع الوظائف الكتابية والحسابية وغيرها مما كان محتكرا للأقباط قبلا ".

استرد المصريون صوابهم بعد الضربة الموجعة التى أنزلها الاستعمار الإنكليزى بهم، ونشط الأحرار لمقاومة اللصوص الحمر، وتعسير مقامهم فى أرض الوادى، فتألف "الحزب الوطنى " لتنظيم الجهود وإعلان الجهاد.
وكان مؤسس هذه الحزب شابا صادق الرغبة فى خدمة المصريين جميعا ورفعة شأنهم وقد أفهم الأقباط أنهم والمسلمين سواء، وأن اتحادهم مع مسلمى مصر فى مواجهة العدو المحتل تمليه واجبات الشرف والرجولة.
وقد نص الزعيم الشاب فى برنامج حزبه على أن الدين لا يفرق بين مصرى ومصرى فى الحقوق والواجبات.
وقد انضم إلى هذا الحزب أول تكوينه نفر من الأقباط المعقولين، وساهموا فى أداء الواجب القومى، وإنالة البلاد وأهلها الحرية المنشودة.
غير أن الحزب الوطنى اهتم فى سياسته الخارجية بالوحدة الإسلامية، واهتم فى سياسته الداخلية بشئون المسلمين باعتبارهم كثرة كبرى.
فأقر الإسلام دينا رسميا للبلاد، واعترف بحق معتنقيه فى نيل أنصبتهم كاملة فى الإدارة والتوجيه العام .
وما إن رأى المتطرفون من الأقباط إخوانهم المسلمين يستمسكون بدينهم ـ على هذا النحو ـ حتى كفروا بالحزب ومبادئه، وتواصوا بمقاطعته، وصدر الأمر إلى الأقباط جميعا بترك الحزب الوطنى..!.
إننا نمتعض إذ نذكر أن رياسة الحكومة المصرية أسندت فى العصر الأخير إلى رجلين ليسا بمسلمين، هما " نوبار باشا " و "بطرس غالى باشا".
فأما أولهما فقد مكن للأجانب فى البلاد، ورسخ امتيازاتهم على حساب أهلها فأصبح المسلم يقتل فى عقر دارة فلا تمتد يد الحاكم إلى الجانى بعقاب، لأنه من أصحاب الامتيازات!! وأما الآخر فقد سلم السودان للإنجليز، وعمل على مد امتياز، قناة السويس، ومضى فى سياسة طائشة لملء الوظائف العامة بالأقباط دون المسلمين، فانتهى الأمر بقتله .
ولما كان القاتل شابا مسلما والقتيل رئيسا قبطيا، فقد اعتبر الأقباط ذلك عدوانا دينيا على طائفتهم فى حين اعتبر الوطنيون ذلك عملا سياسيا بحتا.

وإننا لنسخر كلما سمعنا هارفا يزعم أن اعتبار الإسلام دينا رسميا للدولة، والعودة إلى شريعته فى الحكم، والانضواء تحت جامعته الكبرى فى الخارج...
إننا لنسخر إذ نسمع من يصف هذا بالرجعية (!).
من قال: إننا نتأخر عن ملاحقة الحضارة الحديثة لأننا مسلمون؟.
هل تكون دولة أكثر رجالها من النصارى هو الذى يجعلنا تقدميين؟.
وهل ترك الدولة فى حضانة الكنيسة ترسم لهم سياسة القضاء على الإسلام هو المسايرة للحضارة الحديثة.
إننا نؤكد أن الدولة فى يد الأقباط أداة للقضاء على الإسلام.
ونظرة واحدة إلى مسلمى الحبشة تحت حكم الأقباط هناك تدل على هذه الحقيقة المرة.
سافرت بعثة من الأزهر مؤلفة من الأستاذين الفاضلين " عبد الله المشد " " ومحمود خليفة " الأستاذين بكلية الشريعة إلى بلاد " الصومال " و " أريتريا " و "عدن " و " الحبشة " لدراسة أحوال المسلمين بهذه البلاد.
واستغرقت رحلة البعثة ثلاثة أشهر ما بين يوم 26 من شعبان سنة 1370هـ الموافق أول يونية سنة 1951 ويوم 29 من ذى القعدة الموافق أول سبتمبر سنة 1951.
وكتبت تقريرا مفصلا ويقع فى ستين ومائة صفحة كبيرة، يتسم بالدقة والاعتدال والواقعية.
ومع هذا فقد حوى ذلك التقرير عجبا عجابا عن الاضطهاد الدينى فى القرن العشرين.
وهذه براعة الاستهلال: " عقب انتهائنا من زيارة " بورما " من أعمال الصومال البريطانى، رأينا أن نواصل الرحلة إلى " الحبشة " نظرا لأن الميعاد المحدد لدخولنا فيها قد أوشك أن ينتهى فسافرنا يوم 26 من يوليه سنة 1951 بالسيارة إلى " جيجيحا " وهى أول مدينة من مدن " الحبشة " فى جنوبها الشرقى، وتعتبر عاصمة الصومال الأوجاديني.
وبعد أن نزلنا الفندق ومكثنا فيه ساعة ونصف الساعة أمرنا بمبارحة المدينة، ولم يسمح لنا بالإقامة، فاضطررنا للعودة إلى " هرجيسة " فى مساء اليوم الذى دخلنا فيه، ثم برحنا " هرجيسة " إلى عدن، ثم منها إلى " أسمرا ".
وبعد أن أقمنا عشرة أيام أخطرنا من السفارة المصرية بأديس أبابا بأن وزارة خارجية أثيوبيا سمحت لنا من جديد بدخول الحبشة.
فسافرنا بالطائرة إلى "أديس أبابا" يوم الخميس 16 من أغسطس سنة 1951 وأقمنا بها اثنى عشر يوما حاولنا فى خلالها أن نقوم بزيارة معاهد التعليم فى العاصمة والمدن الكبيرة، وأن نتصل بالمسلمين، فلم نستطع إلى ذلك سبيلا لأسباب خارجة عن إرادتنا.
ولم يمنعنا ذلك من الوقوف على كثير من شئون المسلمين فى" الحبشة ".
وسنذكر بعض ما يمكننا ذكره منها فى هذا التقرير متوخين الحقائق التى يهم أولى الآمر الاطلاع عليها ".
ثم يمضى التقرير فيذكر هذه الحقيقة الغريبة التى لا يكاد يعرفها أحد.
وهى أن نسبة المسلمين فى " الحبشة " بصفة عامة لا تقل عن 65 فى المائة من مجموع السكان، وأنها ترتفع فى بعض المناطق إلى 85% وتهبط فى بعضها إلى 25%.
وهى فى عمومها أغلبية أكيدة مع انقسام البقية من السكان إلى مسيحيين ويهود ووثنيين.
ويعتمد التقرير فى هذا على الإحصاء الإيطالى الدقيق الذى قام به الإيطاليون فى سنة 1936 وإحصاءات القنصليات الأجنبية فى الحبشة..
وهى حقيقة غريبة كما قلت.
ويزيدها غرابة ما سنعرفه من إهمال العنصر الإسلامى إهمالا تاما فى الوظائف والتعليم والمعيشة وتجريده.
من سائر حقوق المواطنين!!.
ثم يذكر التقرير هذه الحقائق المفجعة العجيبة: أولا: أن الحكومة الحبشية بعد انتهاء الاستعمار الإيطالى، قد اغتصبت من المسلمين ثلثى أملاكهم العقارية وسلمتها للمسيحيين من الرعايا، مع بقاء الضريبة الفادحة على الرعايا المسلمين، حرصا على إفقارهم وانحلالهم.
ثانيا: أن الحكومة الحبشية تمنح إرساليات التبشير المسيحية كل العناية والرعاية فى الوقت الذى تحرم فيه على المسلم أن ينتقل من محلته إلى محلة أخرى لإرشاد المسلمين ووعظهم، وتقضى على كل محاولة ترمى إلى ذلك.
وقد جاء فى تقرير لهذه الإرساليات، أنه يمكن تنصير جميع المسلمين فى هذه المناطق خلال خمس سنوات نظرا لجهلهم وفقرهم، وعدم وجود من يعلمهم دينهم، أو يحثهم على التمسك بعقيدتهم .
ثالثا: أن أكثر المسلمين فى الحبشة اهتماما بنشر علوم الدين هم مسلمو مقاطعات كفا " جيما " و " اللووهرر "، وأنه فى " جيما " وحدها أكثر من ستين مدرسة لتعليم أبناء المسلمين.
ولكن بعد أن أعلن ضمها إلى الإمبراطورية الحبشية، واعتقل سلطانها الأمير "عبد الله " ابن السلطان " محمود بن داود " المشهور باسم " أبى جفار " وزج به فى غيابة السجن..
استولت الحكومة الحبشية على هذه المدارس ثم أغلقت أكثرها، وغيرت مناهج ما بقى منها.
ولم تجعل للغة العربية ولا للدين الإسلامى أثرا فيها.
رابعا: أن السلطة الحبشية جاهدة فى سبيل نشر التعليم بين أبناء المسيحيين فى البلاد بقدر ما تسمح لها مواردها.
وأنها أنشأت لذلك حوالى مائتى مدرسة ابتدائية وثانوية للبنين والبنات.
ليس بين تلاميذها وتلميذاتها أكثر من ثلاثة فى المائة من مسلمى الحبشة الذين لم تجد الحكومة بدا من قبولهم لظروف خاصة.
وأنه على الرغم من زيادة عدد المسلمين على المسيحيين لا تقوم الحكومة بالإنفاق على تعليمهم بأكثر من خمسة فى المائة من ميزانية التعليم.
هذا إلى أن برنامج المدارس الحكومية ليس للغة العربية ولا للدين الإسلامى نصيب منها، حتى فى المناطق الإسلامية المحضة.
خامسا: إن المسلمين قد ألحوا على وزارة المعارف فى هذه المناطق بتقرير دراسة الدين الإسلامى، واللغة العربية فى المدارس التى بها.
فعينت مدرسين فى بعض هذه المدارسى باسم تعليم الدين الإسلامى، ورفضت طلب تدريس اللغة العربية.
واختارت مدرس الدين الإسلامى من بعض الجهلة الذين لا يدرون شيئا من تعاليم الإسلام، ولم تحدد لحصة الدين زمنا خاصا كغيرها من حصص الأمهرية والإنجليزية وسائر العلوم التى تعلم فى المدرسة.
بل كلفت مدرس الدين الإسلامى أن يجمع التلاميذ فى الأوقات المخصصة لراحتهم ليعلمهم فيها المبادىء التى لا تخرج عن أوقات الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها وأركانها وشروطها، وما شاكل ذلك.
فكان ذلك المدرس لا يجد من أوقات راحة التلاميذ ما يسمح بتعليمهم، ويمر العام كله دون أن يلقى عليهم درسا واحدا.
سادسا: أن الحكومة اختارت فى العام الماضى بعثات من المتخرجين فى بعض المدارس وأوفدتها إلى المعاهد المختلفة فى الخارج ليعودوا فيتولوا المناصب الكبيرة فى الدولة.
وقد كان من بين المبعوثين اثنان من المسلمين بحكم تفوقهما البارز.
ولكن بعد أن تمت إجراءات سفرهما حيل بينهما وبين السفر لأسباب غير معروفة.
سابعا: أنه كان للمسلمين ثماني مدارس، وكانت الدراسة فيها قائمة على أساس اللغة العربية والدين الإسلامى..
ومواردها تأتى من التبرعات والهبات بواسطة جمعيات لهذا الغرض، وكانت تقوم بتعليم ثلاثة آلاف من أبناء المسلمين.
وقد ظلت تؤدى مهمتها رغم جميع المتاعب إلى سنة 1949.
ولكن الحكومة أرادت إخضاعها لبرامجها الخالية من اللغة العربية والدين.
فلما رفض القائمون عليها هذا الأمر سلكت الحكومة مع هذه الجمعيات مسلكا اضطر أعضاؤها بسببه إلى التخلى عن مساعدة هذه المدارس والتنازل للمعارف عن ثلاث مدارس منها.
وعندئذ حذفت منها مادة اللغة العربية والدين الإسلامى.
ثامنا: أن المدارس الباقية فى طريقها إلى هذا المصير البائس.
لأن الوسائل التى اتبعت بشأن المدارس الثلاث ماضية فى طريقها.
وقد تركت البعثة الحبشة ومدرسة رابعة تلاقى مصيرها!.
تاسعا: إحدى المدارس الباقية طلبت من المعارف أن تسمح لبعض المدرسين المصريين بالحبشة أن يقوموا بتدريس بعض العلوم فى أثناء فراغهم نظرا لحاجة المدرسة إلى بعض المدرسين الأكفاء.
ولكن وزارة المعارف الحبشية رفضت هذا الطلب.
عاشرا: أن الكتب العربية لا يسمح بدخولها إلى " أثيوبيا " ولا تداولها.
أما الجرائد والمجلات العربية فيسمح بدخولها تحت المراقبة الشديدة.
والحق أننا ـ فى مصر ـ نتوجس من اتجاه القلة القبطية إلى التأسى بأختها فى الحبشة.
أى أننا نتوجس من زوال الإسلام وأفول نجمه، لو تركنا النصارى يتولون المناصب الكبرى ويتصرفون كما يحلو لهم وننقل هذا التقرير الناطق بأحزان المسلمين وآلامهم ليكون شاهد عدل على الفروق بين حكم وحكم، ودين ودين.
كلمة أخيرة: لا ضرورة لخداع أو مواربة..
إننا سنكشف عن نوايانا كلها، لأنه ليس لدينا ما نستحيى من إعلانه، لقد رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، والتزمنا ـ يوم أسلمنا ـ أن ننفذ تعاليم كتابنا وسنة نبينا، وليس فى هذه التعاليم ولا فى تلك السنة ما يضير امرءا يؤثر الكفر بها، ويرغب فى العيش بعيدا عنها.
إنه سيعيش فى بلادنا مثلنا، له مالنا وعليه ما علينا.
فإذا اشترط أن نرتد عن ديننا حتى يرضى عنا، فسندعه يموت بغيظه، ولا يلومنا على ذلك إلا أحمق أو منافق.
ومن تعاليم كتابنا ووصايا رسولنا أن نتحاكم إلى قانون بعينه، وأن نحارب منكرات بعينها، وأن نعرف فى الدنيا بهذه الوجهة البينة.
وإلا فنحن ـ إن فرطنا فى ذلك ـ كافرون بما أنزل الله.
ومن تعاليم كتابنا ووصايا نبينا أن نهتم بأمور المسلمين حيث كانوا، وأن نكره الأذى لهم، وندفع الضير عنهم ما استطعنا.
ونحن ـ إن فرطنا فى ذلك ـ كافرون بما أنزل الله.
وقد أحسنا إلى جيراننا من أهل الكتاب.
فمن قدر منهم حسن عشرتنا له، شكرنا له جميل تقديره.
ومن غلبته ضغينته عدلنا مع أنفسنا.
وإذا وقع منا خطأ نحو أحد، فلسنا الذى يصر على هفوة بدرت منه.
ومن حق كل إنسان أن يجادلنا بالحق، وأن ينزلنا على حكمه.
ذلك، ولن ندخر وسعا فى محاربة الاستعمار الأوروبى، حتى نطرد من بلادنا آخر جندى من جنود الغزو الصليبى الحديث.
ولن نقبل مهادنة لهذا الاحتلال الماكر.
فمن والاه أو سالمه فهو يستعلن بخصومتنا ويستهدف عداوتنا.
الشيخ محمد الغزالي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق